عمران سميح نزال

82

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

بعضها بعضا ، ولا يعني بالضرورة أن تتقاطع السّور في تاريخ نزولها مع بعضها بعضا ، إذ لا يفهم ذلك من القرآن الكريم ، ولا من البيان النبوي الشريف ، ولا مما ورد في الأثر عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وفيه قوله : ( إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد ، وكان إذا أنزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده يقول : ( ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) وينزل عليه الآيات فيقول : ( ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) وينزل عليه الآية فيقول : ( ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ) « 1 » . لا يفهم من هذا الأثر أن آيات السورة الواحدة كانت تنزل مشتتة في أشهر وسنين ، وأنه كان يشترك في هذه الأشهر نزول آيات وسور أخرى ، بل الأصل أن يقال بالمناسبة الترتيليّة والتنزيليّة للسورة كما هي في المصحف الإمام ، أي أن يفهم أن نزول آيات السورة الواحدة كانت مفرقة وعلى دفعات ، أو في نجوم ولكن متوالية ومرتلة في سورة واحدة وتاريخ واحد حتى يكتمل بناؤها بأمر اللّه تبارك وتعالى ، وأن الآيات كانت تضم إلى ما نزل قبلها بتعليم من النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن لا يقال بالاستثناء إلا بدليل تقوم به الحجة . فالحديث عن السور القرآنية كوحدة تنزيل هو الأصل لكل سور القرآن الكريم ، وهذا لا يتعارض مع نزول القرآن مفرقا ، وإذا ما ورد في الروايات أو الآثار أيّ استثناء لبعض الآيات بأنها تختلف في تاريخ نزولها عن تاريخ نزول سورتها ، مثل ما يقال عن آيات مدنية موجودة في سور مكية أو بالعكس ، فهذه كلها أخبار غير ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وتحتاج إلى درجة من التوثيق قد لا تتوفر إلا لقليل منها ، ولكن وحتى لو ثبت استثناء لبعض آيات سورة ما ، فالوحدة التاريخية لأيّ سورة قرآنية هو أساس ترتيبها الزمني .

--> ( 1 ) انظر مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرناءوط رقم ( 399 ) ورقم ( 499 ) ، 1 / 460 ، طبعة مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى 1413 ه 1993 م ، وطبعة المسند بتحقيق أحمد شاكر ، 1 / 332 ، دار الحديث ، القاهرة ، ط 1 / 1416 ه - 1995 م . وكتاب المصاحف لأبي بكر السجستاني 1 / 230 ، بتحقيق الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ ، وزارة الأوقاف بقطر 1415 ه 1995 م ، وكتاب : علم تاريخ نزول آيات القرآن الكريم وسوره ، ص 70 و 71 و 72 .